حسن الأمين
286
مستدركات أعيان الشيعة
القصة يرويها « ابن أبي الحديد » في سبيل التنويه بمقام « الرضي » ونحن لا نحيل التنويه بمقامه - فقد كان مجمعا على فضله - ولكن التنويه بمقام إنسان لا ينبغي أن يتم على حساب إنسان آخر ، ليتخذ منه سبيل مقارنة ومفارقة . وسننقد القصة من حيث سندها ورواتها وما اختلفت عليه الروايات : ( أ ) يقول ابن أبي الحديد : قرأت بخط « محمد بن إدريس الحلي الفقيه الامامي » . وأنا أستبعد جدا أن يسجل « محمد بن إدريس الحلي الامامي » على « المرتضى » هذه المنقصة . وقد عرف « ابن إدريس » بأنه من رأي « المرتضى » في كثير من مسائل الفقه ، ومن مشايعيه في رأيه الأصولي ، ومن تلاميذ مدرسته ، بحيث متى ذكر « ابن إدريس » قرن « بالسيد المرتضى » في كثير مما تدفع به عن « ابن إدريس » المآخذ الفقهية . ب - حكى « أبو حامد أحمد بن محمد الأسفراييني الفقيه الشافعي » . والشافعي أبو حامد الأسفراييني - على عظم مقامه ، وسمو منزلته في نظر الشافعية خاصة - كان معاصرا « للمرتضى » وقرنا له في الزعامة المذهبية ومن أجل الأسفراييني أخرج الشيخ المفيد - أستاذ المرتضى - من بغداد وكانت العداوة يومئذ بين الشيعة والشافعية في ذات أئمتها بالغة ذروتها . ج - كنت يوما عند فخر الملك . . . إلخ . أن علاقة المرتضى ب « فخر الملك » كانت وثيقة جدا ، وكانت العواطف المتبادلة بينهما لا نظير لها في كل من عرفت « للسيد » صلة به ، وكانا يتزاوران ويصطحبان ( 1 ) وللسيد في مدحه قصائد جياد تنيف على عشرين قصيدة ، ( 2 ) وإذ قتل « فخر الملك » جزع السيد جزعا شديدا ، ورثاه بقصائد أربع ، لم يرث بمثلها خليفة أو ملكا أو صديقا ، وأقسم بعد قتله ألا يقول الشعر ، وظل منقطعا عنه سنين ثمانية ، حتى إذا قدم « سلطان الدولة » ابن الملك « بهاء الدولة » إلى بغداد طلب منه أن يقول الشعر ملحا معاودا ، فاعتذر بما سبق أن عزم عليه : من ترك الشعر بعد « فخر الملك » ، ولكنه حمله على قوله بمعاودة الإصرار . ( 3 ) فهل تكون هذه العواطف من جانب « المرتضى » لرجل كان يزدري مقامه ، ويستهين بكرامته ، ويلقاه بالفتور والبرود ؟ . والطريف في الأمر أنك تجد القصة نفسها تروى بلسان آخرين ، ومع وزير آخر غير فخر الملك ، فمرة تروى عن أبي إسحاق محمد بن إبراهيم العباسي الكاتب ، ( 4 ) ومرة عن لسان « أبي إسحاق » ، ( 5 ) وكلاهما - كما كان الحال مع « أبي حامد الأسفراييني » - يدعي مشاهدة المجلس وحده ، ومع ادعاء التفرد بمجلس الوزير لا يصح أن يشاهدها آخرون ، وهذا صريح في اختراع القصة ، أو في اختراع راويها . وأطرف من هذا أنها في إحدى الروايات تجري مع « أبي محمد الوزير المهلبي » لا مع « فخر الملك » ، ولكن الوزير « المهلبي » مات قبل أن يخلق المرتضى بثلاث سنوات أو أربع . ( 6 ) 3 - ويدخل في باب المفارقات ما يورد للسيد وعنه بحسن نية ، وبقصد التنويه بذكره ، ولكنه يخرج به عن خلقه المعروف به ، أو عن الخلق الإنساني السوي العام . فمن الشائع في الأوساط الخاصة لرجال المذهب الشيعي ، والوارد في بعض المصادر ( 7 ) أن السيد الرضي حين أسمع أخاه المرتضى قصيدته في رثاء « أبي إسحاق الصابي » : أعلمت من حملوا على الأعواد أرأيت كيف خبا ضياء النادي وفيها قوله : إن لم تكن من أسرتي وعشيرتي فلأنت أعلقهم يدا بودادي الفضل ناسب بيننا ان لم يكن شرفي مناسبه ولا ميلادي غضب المرتضى - لمكانة أخيه من النسب والدين وقال له مستخفا « بالصابي » : حملوا كلبا . يريدون بما أوردوا أن ينزهوا مقام رجل الدين المسلم عن رثاء رجل ذمي ، ناسين أن جواب « المرتضى » إن صح يتنافى مع الخلق الرفيع ، الذي يجب أن يتحلى به رجل كالمرتضى . ولكني وجدت الشريف « المرتضى » نفسه يرثي « أبا إسحاق الصابي » رثاء لا يقل تقديرا وأسى عن رثاء « الرضي » له ، ووجدت بين « المرتضى » و « أبي إسحاق » من تبادل العواطف والإخاء ما يدل على أن الأخوات والصداقات لا يحول دونها اختلاف في منسب أو مذهب ، وإن الرجل ما كان يحول مقامه الديني من أن يتغنى باخاء رجل « كأبي إسحاق » وأن يرثيه : ما كان يومك يا أبا إسحاق إلا وداعي للمنى وفراقي لولا حمامك ما اهتدى هم إلى قلبي ولا نار إلى إحراقي وسلبت منك أجل شطري عيشتي وفجعت منك بأنفس الأعلاق لما رأيتك فوق صهوة شرجع بيد المنايا أظلمت آفاقي وكأنني من بعد ثكلك ذو يد جذاء أو غصن بلا إيراق ومودة بين الرجال تضمهم وتلفهم خير من الأعراق من ذا نضا عنا شعار جمالنا ورومي هلال سمائنا بمحاق ؟ ( 8 ) بل رأيت « المرتضى » يجري إلى أكثر من هذا فيمدح « هلال بن المحسن الصابي » وهو حفيد « أبي إسحاق » بأبيات فيها : وقول زارني فوددت أني وقيت بمهجتي من كان قاله ( 9 ) ذكرت به الصابي والغواني وأيام الشبية والبطالة وكيف ألوم أما لمت دهرا ضللت به فاطلع لي هلاله غفرت به ذنوب الدهر لما أتى كفى وأعلقها وصاله وما أنا مصطف إلا خليلا رضيت على تجاربه خلاله
--> ( 1 ) الديوان ج 2 ص 85 . ( 2 ) الديوان ج 2 ص 68 ، 72 ، 73 ، 80 ، 85 ، 86 ، 87 ، وج 3 ص 3 ، 5 ، 7 ، 8 ، 10 ، 11 ، 12 ، 14 ، 15 ، 17 ، 19 ، 21 ، 89 . ( 3 ) الديوان ج 3 ص 99 . ( 4 ) انظر مقدمة ديوان الرضى طبع بيروت . ( 5 ) روضات الجنان ج 2 ص 575 طبع إيران . ( 6 ) المنتظم حوادث 351 وتجارب الأمم حوادث 352 . ( 7 ) الشريف الرضى للدكتور محفوظ طبع بيروت سنة 1944 . ( 8 ) الديوان ج 3 ص 83 . ( 9 ) الديوان ج 3 ص 81 ، 82 قالها المرتضى جوابا « لهلال ابن المحسن » عن قصيدة أرسلها للمرتضى وفيها يقول هلال بن المحسن : أسيدنا الشريف علوت عزا ت ضاف إليك أوصاف الجلالة ل أنك أوحد والناس دون ومن يسمو لمجدك لن يناله ولي أمل سادركه وشيكا ب عون الله فيك بلا محاله وليس على موالاتي مزيد ل أني لم أرثها عن كلاله